ديمقراطية "حس العياط"

اجمل ما في الديمقراطية التي هطلت علينا بعد عام 2003 انها لـ "اللوحة" ولـ "العظم" ولـ "الكشر". تريد تطلع تظاهرات اطلع تظاهرات. لك ساحة الفرودوس العب بها ما تشاء. واذا ضاقت عليك الفرودس فعليك بالتحرير. لاتخشى شرطة الشغب وخراطيم المياه. فهذه جزء من اصول اللعبة الديمقراطية. وهذه الاصول موجودة في نيويورك واسبانيا وتركيا. لابد من خراطيم وشغب حتى يقال امام الكاميرات ان لدينا ديمقراطية تعدت ببعض الحدود وقد واجهناها بالاساليب الديمقراطية حفاظا على النظام العام. المواطن طالما مسموح له ان يتظاهر فارض الله واسعة من الفردوس للمتنبي مرورا بالتحرير. ديمقراطيتنا لاتشبه سواها من الديمقراطيات في العالم. في العالم يخرج المتظاهرون من اجل حديقة زهور عامة. او من اجل ازمة وقود. او من اجل فك ارتباط اليورو بالدولار. ومع ذلك تحصل اجراءات لان وسائل الاعلام تدخل  على الخط وتصنع راي عام يستطيع تغيير المعادلة المقلوبة او تصحيح المسار.
تظاهراتنا "شكل تاني" كما تقول نجاة الصغيرة. ربما هناك  من يقول ان دول العالم تشهد ايضا تظاهرات من اجل تغيير مسؤول. لكن غالبا ما تؤدي التظاهرات الى تغييره لان الراي العام لايمكن مقاومته في البلدان ذات الديمقراطية الراسخة لاسيما في دول المؤسسات. تظاهراتنا تاتي بنتائج عكسية دائما ومن صالح المسؤول الذي يتظاهر الناس ضده. اكاد اقول ان اي تظاهرة من تظاهراتنا التي باتت شبه اسبوعية (في المتنبي على الاقل) لم تسفر عن تغيير اي مسؤول طالما ان هناك شعور ان هذه التظاهرة "مو لله بالله" بل وراءها المسؤول الفلاني او الحزب العلاني.
لاتوجد في الدول الديمقراطية تظاهرة يصرخ فيها المواطنون الى عنان السماء مطالبين بصرف رواتبهم الموقوفة منذ اربعة اشهر او اكثر. وهم يرفعون لافتات مثل "الجوع كافر" او "قطع الاعناق ولا قطع الارزاق". هذه مسائل مصيرية وانسانية تحتاج الى تدخل حكومي سريع من اجل معرفة الاسباب والجهة التي تتحمل مثل هذا التقصير. لماذا تتقاضى فئة من الموظفين رواتبهم "على داير المليم" شهريا بينما يتظاهر العشرات يوميا من موظفي وزارة الصناعة او غيرها بسبب عدم صرف رواتبهم. الراي العام يريد ان يعرف الحقيقة حتى يعرف مع من يقف. مع الحكومة اذا كانت صاحبة حق او مع المتظاهرين اذا كانوا اصحاب حق. اما ان تبقى الامور هكذا .. الناس تتظاهر والحكومة "مغلسة" لمجرد ان حق التظاهر مكفول فهذا امر غير صحيح. ما قيمة الديمقراطية التي لاتوكل خبزا. بل ما قيمة الدستور الذي يكفل حرية التظاهر والتعبير والحريات العامة ولكنه لايوفر لقمة عيش كريم للمواطن الذي يصرخ وما من مجيب.