أبحث عن إنسان

لو أن الذين يصنعون الجميل يعرفون ماذا يربحون بالوفاء، وماذا يخسرون بالغدر، لما بقي في الدنيا ناكر واحد للجميل. 
والناس أشكال وألوان، عجائب وأسرار: ومن الناس من لا يجد راحة إلا أن يعض اليد التي تطعمه، ومنهم من يقابل الحسنة بالسيّئة، وينالك بالشر كلما صنعت له المعروف. 
ومنهم المعادن الغالية النادرة النفيسة، ومنهم المعادن السيّئة الرخيصة. ومن الناس من هو لا في الرجال ولا في النسوان معدود، ومنهم بالفلسين مردود. ومنهم من يبيع ملابسه ولا يبيع نفسه، ويجوع ولا يسأل اللئيم. ومنهم من يبيع كل شيء، ويهون عليه كل شيء. 
والدنيا غابة. تجد فيها العصافير، والفراشات، والأغصان الوارفة، والأشجار المثمرة، وتجد أيضاً الوحوش، والضباع، والذئاب، والخنازير، والقردة، والسلاحف، والزواحف، والنباتات المتحركة، ودودة العث التي تقرض من أطراف الثياب.
ومن الناس من يولد ويموت ولا يشعر به أحد، كالماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة. ومنهم من هو أخف من قبضة ريح في الميزان. ومنهم من تريد له الحياة فيريد لك الموت، وتصنع له الخير فيكيد لك الكيد. ومنهم من يحضر حين الفزع ويغيب حين الطمع. ومنهم الذهب، واللؤلؤ، والجوهر، والدرّ، والياقوت، والمرجان (فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان). 
 ومنهم المنافقون، كلما أفلسوا من عصر بدأوا ينافقون عصراً جديداً. وفي القرآن الكريم سورة كاملة اسمها (المنافقون)، والشاعر يقول: (ما دمت في عالم النفاق/ فاعدلْ بساق وملْ بساق)، والنفاق موهبة، والمنافقون يحنون رؤوسهم لكلّ مخلوق، ولو كلفهم الأمر أن يضعوا الرؤوس تحت الأقدام، لأنهم من المقاسات الصغيرة.
وكل شيء في الحياة يهون إذا هانت على الناس أخلاقهم. وكان صديقنا الشاعر البديع صفاء الحيدري يدعو إلى يوم وطني للكلاب بعد أن يئس من غدر البشر، واتخذ من كلب اسماه بلاكي صديقاً ورفيقاً في حياته، وكان صفاء والكلب ينامان على سرير واحد، ويأكلان من ماعون واحد، فلمّا مات صفاء مات بلاكي بعده بيوم واحد!
وعندما سُئل الشاعر المصري محمد حسين الجزار عن الفارق بين الشعر والجزارة؟ قال: كنت جزّاراً أمشي فتتبعني الكلاب، وحين أصبحت شاعراً صرت أمشي وراء الكلاب!
ويوم مات الشاعر البائس عبد الحميد الديب، كتب في رثائه الأديب كامل الشناوي يقول: اليوم مات شاعر جاع، وشبعت الكلاب! 
وهناك قصة عن فيلسوف اليونان ديوجين أنه أمسك في يده مصباحاً من زيت وطاف به في شوارع أثينا، فهرع نحوه الناس يسألونه في حيرة: هل ضاع منك شيء؟ هل فقدت شيئاً؟ قال: نعم، إنني أبحث عن إنسان!