الدكتاتورية المزدهرة في العراق


ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا ...هذه العبارة كانت اخر جملة كتبها أنطون بافلوفيتش تشيخوف الطبيب والكاتب المسرحي و القاص الروسي الكبير الذي يعد من أفضل كتاب القصة القصيرة عالميا.ليختم بها قصته القصيره بعنوان المغفلة .
فالضعيف في هذه الدنيا هو المغفل حقا وكم وكم هم المغفليين الذين جار عليهم الزمن بيننا ولكن السؤال الذي يفرض نفسه من هم الذين جعلونا مغفلين ؟ من منهم الذي سلب حقوقنا وحريتنا و انسانيتنا ودورنا في الحياة غير الدكتاتوريات الفردية المتسلطة على رقابنا بمسميات و اعتبارات ما انزل الله بها من سلطان والمصيبه نحن من سمح لهم بأستغفالنا و استحمارنا و بلمئ ارادتنا خوفا او جبنا او لا عتبارات اخرى معضمها قدرية او جبرية .
و على رأي المثل الشعبي قيل لفرعون من فرعنك قال لم أجد أحدا يردعني نعم لا يوجد من يردعهم او حتى يقف بوجههم او ينبزهم وهو اضعف الايمان .
هذا الاستغفال ليس بجديد على البشريه حيث كتب عنه الكثير ولا يزال يكتب وبمختلف الصيغ و الاشكال و الانواع الادبية و الفنية و الفكرية و واحد من اروع ما كتب عن هذا الاستغفال للرعية و التسلط على الرقاب و بأسم الديمقراطية هو ستيفان زفايج الأديب و الشاعر والكاتب المسرحي النمساوي الشهير في رائعته الشهيرة ضمير ضد العنف و التي ترجمت من الالمانية الى العربية بعنوان عنف الدكتاتورية و التي صور لنا فيها كيف ينمو ويترعر الدكتاتور بدهاء وذكاء بيننا وبرضانا من خلال سرده لاحداث قصة بطله الداهية كالفن أحد أعمدة المذهب البروتستانتي الذي أسند اليه مجلس مدينة جنيف في أيلول 1536 وظيفة "قارئ الكتابات المقدسة". وهذه الوظيفة بحد ذاتها غير كافية طبعا بأن تخلق طاغية الا ان كالفن كان مخلوق اخر مختلفا بما يملك من حيلة وقدرة على المراوغة والتضليل كان يعرف من أين تؤكل الكتف ومتى تؤكل عرف كيف يبني سلطته من أتفه المناصب وكيف ينقل نفسه من وظيفة عادية إلى حاكم مقدس مطلق اليد أستحوذ على الدولة وحول مواطنيها إلى آلة ضخمة طوع يديه.
لكن بالمقابل كان هناك ند لكالفن الا وهو "كاستيليو". رجل الدين المتنور الفقير في كل شئ إلا من ضمير يقظ استشعر خطورة ما يقوم به كالفن باسم الإصلاح و الديمقراطية فواجهه بصبر وذكاء وشراسة .
كالفن كما هو كل دكتاتور ناقص جاه جاء الى جنيف هاربا من محاكم التفتيش الكاثوليكية الفرنسية و انضم حديثا الى المذهب البروتستانتي و بدأ حياته قسيسا و في غفلة من الزمن اصبح الحاكم الاوحد محولا المجتمع الديمقراطي الى دكتاتورية لا رأي فيها الا رأيه وكل الاصوات اصداء لصوته و الويل الويل لمن يعترض علما ان كاستيليو كان من انصار كالفن و مؤيديه في بداية مشواره لكنه لم يتحمل طغيانه و منعه للحريات و الزيف الكبير الذي لحق بالقيم بعد ان تحول دعاة الاصلاح الى جلادين ضد المعترضين و المعارضين يذيقوهم اشد انواع العذاب كالسجن و الحرمان من الحقوق المدنية و ينفذ بهم الاعدام حرقا لمجرد انهم يعارضون كالفن اما القشة التي قصمت ظهر البعير الا وهو كاستيليو ليعاديه ويقف بوجه و يعلن الحرب ضده هي
عندما امر كالفن باحراق المعارض ميغيل سيرفيت و اشعلت النار في جسده و هو على قيد الحياة فتمزق كاستيليو غيظا وبدات المعركة بينه وبين كالفن لم تكن مجرد معركة عادية بين شخصين عاديين لا بل معركة بين تياريين و منهجين متضادين بين القمع و الحرية بين العنف و الحوار بين التعصب و التسامح بين العبودية و الانسانية بين الدكتاتورية و الديمقراطية اما من هو المنتصر في النهاية ؟ فهذا السؤال لا يحتاج الى تفكير طويل للاجابة عليه لان الانتصار يحتاج الى تكاتف جمعي لا الى شخص او فرد واحد و هذا ما حصل مع كاستيليو لم ينتصر لانه فرد لا يقوى على دحر الدكتاتورية لوحده حتى لو كان منطقه من ذهب .
زفايج أذن روى لنا كيف وصل "كالفنإلى السلطة وكيف تحول إلى أحد أعتى طغاة التاريخ واصفا لنا مواجهة كاستيليو الفريدة والمأساوية له و التي حركت مشاعر الكثير تعاطفا و غيظا الامر الذي وصفها توماس مان الالماني بأنها :ممتعة ومؤثرة للغاية، تجمع عبر مادتها التاريخية كل ما يدعو إلى التقزز والتعاطف في عصرنا .
هذا بعض ما ذكره التاريخ و الادب لنا عن الدكتاتورية اما اليوم فصناعتها اصبحت فن رائج وعلم سياسي مزدهر أبدع به ممارسي الديمقراطية نعم من هم يحسبون على النهج الديمقراطي فاللعب و الساحة لهم و اصبحت لعبة الديمقراطية مصنع لصناعة الدكتاتورية كما هو التفريخ الاصطناعي و تعد من انجع اللعب دون منافس و على عينك يا تاجر لعبة يلعبها كل من هب ودب لعبة يمكن أن يلعبها أي حاكم شاطر ويتمكن من حكم البلاد التي يلعب بها لعبته مدى الحياة لعبة يلعبها اي مسؤول او وزير او مدير عام وكل الدرجات الخاصة لعبة اصبحت عامة شاملة مزدهرة ورائجة في العراق الجديد يمارسها الجميع وتصلح لكل التنظيمات وكل المستويات و في كل المجالات تزدهر و تترعر في اي محيط اكاديمي كان او شعبي برلماني او وزاري الامر الذي اختلط الحابل بالنابل وتحولت الديمقراطية الى معمل لصناعة الدكتاتورية القاتلة و بأمتياز و بيد اصحاب النفوذ و الشخصيات المنتخبة او التي وصلت الى مناصب لا تحلم بها وبغفلة من الزمن و لا احد يجرأ ان يقف بوجه اي منهم لا قولا ولا فعلا و الا ستكون نهايته مأساويه كنهاية كاستيليو الذي حاصره اعوان كالفن باسم الديمقراطية وضيق عليه من ان يصرح بفكره او ان يعلن رأيه للاخرين .
الديمقراطية التي نعيشها اليوم ديمقراطية مقززه اكثر بشاعة من الدكتاتورية لانها شمولية فرديه حاقدة لا تعرف غير القمع و التجاهل و قتل الانسانية بأمتياز .
فالديمقراطية واخواتها من حرية و مساوات و حقوق انسان وغيرها من مفاهيم و مسميات اصبحت نكتة سمجة نتداولها بيننا والواقع أن الديمقراطية و اخواتها رهينه بيد مالكي المصنع ان لم تكن من املاكهم الشخصية محمية شرعا وقانونا لا تقبل القسمة على غيرهم شخص واحد يتحكم بالجميع رأيه هو الصائب و صوته فقط هو المسموع و اوامره هي التي تفذ شئنا ام ابينا و الا سيكون مصيرك منبوذا منبوذ او مهمش او انت من المغضوب عليهم ولا الضالين مشكوك في تحركاتك وملعون في محفلك
من لحضة تفكيرك بالاعتراض او ان تعبر عن رأيك المغاير بعفوية و الى اشعار اخر