من المحراب إلى المحراب علي عليه السلام عطاء وجهاد

 

الحديث عن علي بن أبي طالب عليه السلام صعب مستصب, فعلي سلام الله عليه يمثل الكمال, يمثل كل قيم الفضيلة والخير, وأنى للنقص وصف الكمال.

علي عليه السلام يمثل النموذج الصالح, فهو الإنسان المحب للخير, والناقم على الشر, وهو عون الضعفاء متواضع لهم, يخالطهم, ولا يتكبر أو يتجبر عليهم, وبنفس الوقت هو الضيغم الضرغام ضد الكفرة والمتجبرين.

علي عليه السلام رغم حقد أعداءه, إلا أنه ظل شعلة تنير درب أنصار الحق, وكما قال الشافعي عندما سأل عن علي عيله السلام "فقال : وما ذا أقول في رجل أخفت أوليائه فضائله خوفا ، وأخفت أعداؤه فضائله حسدا ، وشاع من بين ذين ما ملا الخافقين .

إرتبطت ولادة أمير المؤمنين عليه السلام, بالبيت الأول الذي وضع للناس, ببكة مباركا وهدى للعالمين.

هذه الولادة كان لها الوقع الأكبر في صقل علي عليه السلام, فكأن الكعبة حينما فتحت حيطانها بالإعجاز لأمه لتضعه, كأنها تقول له يا علي إني صرت لك بيت ولادة, وهذه الأصنام تحيط بي فيا علي خلصني منها.

نعم! كان كذلك, وقد رد علي عليه السلام هذا الدين, في فتح مكة حينما إرتقى منكبي الرسول صلى الله عليه وآله ليزيل تلك الأصنام الجاثمة في بطن الكعبة.

واجه علي عيله السلام, في سبيل منهجه الذي إنتهجه, هجمات كبيرة من المنافقين, ومن أعداء الدين, الذين تأن رقابهم من ضربات علي, فأخذوا يشنون الحملات تلو الحملات الإعلامية, لضرب علي عليه السلام.

أول الخطوات العملية لتنفيذ مخطط الأعداء, هو سلب الخلافة الشرعية من علي عليه السلام, رغم نص النبي محمد صلى الله عليه وآله, في أكثر من مره أكثرها جلاءا كان في غدير خم.

إجتمع المنافقون, وأعداء الرسالة الجديدة, في سقيفة بني ساعدة ليغيروا مسار التاريخ باكمله, ويزووا الحق عن أهله, ونصبوا المؤامرات للفتك بعلي وإقتادوه مكتوفا إلى مسجد المدينة.

الوضع السياسي المشحون, والمحيط بالدولة الجديدة, وضع علي عليه السلام أمام خيرات أحلاها مر, فإما أن ينهض ويثور مع قلة الناصر, وهذه الثورة ستفتح الباب أمام المتربصين بالإسلام, سوءا العدو الداخلي, وهم منافقي المدينة واليهود, أو العدو الخارجي والمتمثل بالدولة الصليبية الرومانية, المتربصة عند الحدود, أو يسكت ملتزما بوصية وعهد النبي العظيم له, حينما أخبره بما سيكون, فلم يكن رد علي عليه السلام إلا أن قال أو يكون في سلامة من ديني, فاخبره المصطفى بنعم, فعندها قال علي سأصبر.

وحينما ثنيت الوسادة لعلي عليه السلام, وتسلم مقاليد الخلافة –والتي هي حقه الشرعي- عندها ضرب أمير المؤمنين عليه السلام, أروع صورة للحاكم العادل, فلم يقرب قريبا, ويبعد غريبا, بل كان عنده كل الرعية سواء, ولم يفرق بين نفسه وبين عبده قنبر فكان يأخذ عطاءه كما ياخذ قنبر.

الأقليات –بالمصطلح المعاصر- كان لها الحصة, في دولة علي عليه السلام, فلم يسلب حق مسيحي أو يهودي, بل تعهدهم بالرعاية والحماية, وكان يعطيهم من بيت المال.

عدالة علي عليه السلام, لم ترقْ لأصحاب المطامع, فأخذوا يكيدون ويجيشون الجيوش للإجهاز على علي وعدالته, فكانت حروب صفين والنهروان والجمل كلها في هذا السياق.

ولما لم يجد أصحاب النفوس المريضة, ضالتهم في قتال علي, لفشل كل محاولاتهم, بدءوا بالتخطيط لإغتياله, فتم لهم ما أرادوا, على يد عدو الله بن ملجم في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان وهو يصلي في محرابه في مسجد الكوفة.

فسلام عليك يا أمير المؤمنين, يوم ولدت ويوم إستشهدت, ويوم تبعثا حيا لتشهد على الظالمين.