جدلية الثقافة والوعي

 

 

يصبّ الفهم البراغماتي للثقافة في أحيان غير قليلة في طاحونة الخطاب السياسي والآيديولوجي لسلطة ما أو حزب ما أو جهة ما أو قائد ما على حساب العملية الإبداعية وعلى حساب المستوى الفني والمعيار الجمالي، ومثل هذا الفهم يؤثر على استقلالية المثقف بإدغام عمله مباشرة في العمل السياسي واللجوء الفظ إلى أشكال من التدخّل لحساب الثاني.

ولهذا تظهر عملية اغتراب المثقف وكأنها أشبه بعملية اغتراب العامل عن الآلة في المجتمع الرأسمالي أو اغتراب العامل عن الملكية العامة في المعمل الاشتراكي أو القطاع العام في البلدان النامية، إذْ أن الشرط الضروري لإيجاد العلاقة بين المثقف وثقافته هو الوعي، حيث يحدّد المثقف موقعه.

وفي ظل غياب الوعي أو ضعفه تصبح الممارسات البيروقراطية ومحاولة إسقاط الآيديولوجيا على الواقع، عبئاً على المثقف وأحياناً تحدّد حركته ونشاطه الإبداعي، لاسيّما إذا اقتربت الآيديولوجيا من الدائرة النسقية المغلقة والتي تنظر إلى الواقع من فوق وباستعلاء وأنفة، وتحاول بدلاً من دراسته ومعرفته، بهدف تطويره، تفرض عليه آراءً مسبقة وأفكاراً جاهزة هي أقرب إلى الشعاراتية والتهريج بادعاء الأفضليات لتبرير خطاب الحاكم، وهو ما يلحق أضراراً كبيرة بقضية الإبداع والتطور الديمقراطي، حيث يهتم بالمثقف في هذه الحالة باللجوء إلى التسويغ والتبرير، وليس إلى التمثيل والتعبير، تهرّبا من استحقاقات السلطة.

إن علاقة الثقافة بالوعي متداخلة، خصوصاً إذا ما عبّرت عن الحرية التي هي بتعبير ماركس وعي الضرورة، وذلك من خلال التوفيق بين الحرية والالتزام الذي لن يكون رحباً إلاّ بظلّها وفي إطار مرن بحيث يمكن قبول التنوّع والتعددية وهما أساسان في كل مجتمع ناهيك عن كل عمل إبداعي، وذلك بعيداً عن الإكراه أو العسف السياسي أو الآيديولوجي، حيث يستطيع المبدع والمثقف عموماً، التعبير عن قناعاته بحرية ومن دون اللجوء إلى التمجيد والتنديد، أو التدنيس والتقديس.

والمثقف بتعرّضه للقمع السياسي والفكري، يضطر أحياناً للهرب إلى خارج المؤسسة الثقافية للسلطة أو للحزب، ولكنه في أحيان أخرى يرضخ ويضطر عندها لتزويق إجراءاتها وتسويغها إبداعياً. وقد تعرّض العديد من المثقفين السوفييت ومن بلدان أوروبا الشرقية لمثل هذه المواقف واضطرّ بعضهم للهرب، والبعض الآخر إلى الدعاية بزعم ادعاء الأفضليات لتبرير خطاب الحاكم، وتكبّد المثقفون خسائر كبيرة لم تكن قابلة للتعويض بسبب نهج الاستبداد في العديد من البلدان العربية والعالمثالثية. ومارس بعض المثقفين دوراً سلبياً للترويج لآيديولوجية السياسي ومواقعه، سواء كان في السلطة أو خارجها وذلك لتبرير بعض مواقفه وغضّ النظر عن هدر حقوق الإنسان وانتهاكات الحريات والحرمات وهو ما ينبغي قوله صراحة وعلناً ودون مواربة.

ويمكن القول إنه في فترة الحرب العراقية الإيرانية بشكل خاص، وما بعدها اضطر العديد من المثقفين العراقيين والعرب، إلى المساهمة في ما سمّي «بأدب الحرب»? من دون قناعة لدى الكثيرين منهم، وإلاّ فإن ما ينتظرهم كان مهولاً بكل معنى الكلمة من اتهام واعتقال وتغييب، إضافة إلى حجب حقهم في النشر أو إبراز عملهم الإبداعي والفني، وعلى العكس من ذلك فإن من تسابقوا إلى مديح السلطة وترويج خطابها الحربي والسياسي، حصلوا على المكرمات والنياشين، أي إن الإغراء والإغواء بالمال أو بالامتيازات كان وراء بعض تصرفاتهم.

لقد أخذ التبرير الجدانوفي (نسبة إلى جدانوف) طريقه للتسويغ الإبداعي، وأدّى ذلك إلى إلحاق أضرار بالغة بالإبداع والثقافة على الرغم من الأعمال الرفيعة والراقية التي شهدتها تلك الفترة على يد مبدعين كبار. فمثلاً ثار نقاش واسع بين النقاد حول النهاية المأساوية لرواية الكاتب السوفييتي جنكيز أتماتوف «السفينة البيضاء» (من المؤسف أنه وعدد من المثقفين السوفييت زاروا تل أبيب أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات بعد أن كان بعضهم يعتبرها دولة عنصرية) ومخالفتها لما يسمى ب «الواقعية الاشتراكية» إذْ ما زال قسم غير قليل يفكّر حتى الآن بصورة «البطل» الإيجابي ومفاهيم الانتصارات الشعبية الكبرى، ويدعو إلى ذلك بتفاؤل ساذج، ويدافع عن حتمية تاريخية، ويحاول إسباغ ذلك على الأعمال الإبداعية، وما عدا ذلك يُدمغ المبدع والمثقف بالسوداوية والتطرّف والعطب الداخلي والليبرالية، وما إلى ذلك من مفردات. وقد عانت ساحتنا الثقافية العربية من طغيان مثل هذا الخطاب السياسي المباشر ولا تزال تعاني كذلك.

لا بدّ من التأكيد على ضرورة التوقّف جدياً عند بعض الظاهرات التي سادت في الوسط الثقافي، ونقدها بجرأة، وإجراء كشف حساب بأضرارها البالغة ونتائجها الوخيمة، كهيمنة النظرة الأحادية الجانب والخطاب الواحدي والسعي للهيمنة وادعاء احتكار تمثيل الثقافة والمثقفين. ولابدّ أيضاً من الإقرار بالتعددية والجدل أساسان لا غنى عنهما لتطوير الثقافة والوعي ولتعزيز التوجّه الديمقراطي على صعيد العمل الثقافي أو العمل السياسي، ويتطلب ذلك ممارسة فعلية في وسطنا الثقافي وهيئاتنا ومؤسساتنا. وكذلك ينبغي التخلّص من النظرة الانعزالية الإرادوية، التي سادت زمناً غير قصير في خطابنا الثقافي والفكري ملحقة أضراراً بالغة بتوجّهاتنا وحركتنا، لاسيّما ادعاء الأفضليات وحجب النقد بزعم مخالفته للإجماع أو لرأي الأغلبية أو للخط السياسي السائد في السلطة أو في المعارضة.

إن أي اختلال في المعايير الديمقراطية وشحّ الحريات يؤدي إلى انكفاء وتراجع للثقافة في حين أن آفاقاً رحبة تنتظرها بإشاعة الحريات الديمقراطية والفردية واحترام حقوق الإنسان ومنها حقوق المثقف، المتجسّدة في صيرورة وعيه.

ويتطلّب ذلك أيضاً تعاملاً جدياً مسؤولاً مع أدبنا وثقافتنا الوطنية والقومية، من موقع ديمقراطي منفتح وحرّ خارج نطاق المسلّمات الجاهزة والتصوّرات المقولبة، وكذلك مع «التراث» في إطار احترام حرّية المثقف بعيداً عن الوصاية وأساليب الوعظ والإرشاد، فينابيع المثقف يمكن أن تتفجر وعالم المبدع الروحي المليء بالألغاز يمكن أن يتدفّق، ليتحفنا بروائع وأعمال إنسانية، خصوصاً في أجواء فسيحة من الحرية، بعيداً عن عوالم الرعب والفزع من السلطة أو الكليشهات والقوالب الجامدة ومن أي جهة يمكن أن تمثّل «سلطة» ترهب المثقف سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية، ولا يختلف الأمر إن كانت حزبية أو مجتمعية أو سلطوية وتضطره للتسويغ والتبرير في حجب الرأي الآخر، بل وتجريمه وتحريمه أحياناً.

وللأسف الشديد أن يسهم بعض المثقفين في عمليات التسويغ تلك على حساب زملاء لهم من أصحاب الصوت الآخر، بل في إجراءات التنكيل أيضاً. كما إن من المؤسف حقاً أن يسهم مثقفون عرب في تبرير خطاب أنظمة الاستبداد، وكم كان مؤلماً تشجيع صدام حسين وأطروحاته الفكرية والسياسية والحربية بخصوص حل المشاكل في المنطقة، سواءً مع إيران، أو بشأن الكويت، وما جرّه ذلك من كارثة على العراق والأمة العربية، ويحاول هؤلاء ازدراء آراء ومواقف مثقفين عراقيين مكتوين بنار الإرهاب والحرب معاً، فضلاً عن نار الغربة، لحسابات ضيقة، أو حالات إحباط ويأس، أو دعاوى زائفة، غاضّين الطرف عمّا جرى ويجري من كبت للحريات وهدر لحقوق الإنسان وثلم لسيادة الوطن ودمار وخراب شاملين.

كم كان مؤلماً تبرير بعض المثقفين العراقيين والعرب مسألة احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة واعتبارها ” تحريراً” ولا يزال بعضهم حتى الآن على الرغم من المآسي التي يعيشها العراق منذ العام 2003 عند موقفه هذا، مثلما كان مؤلماً أن يطلب بعض المثقفين والمعارضين الدول المتنفذة في مجلس الأمن، تشديد الحصار على العراق بحجة انتهاكات نظامه الدكتاتوري لحقوق الإنسان.

إن المبدع بتعرّضه للقمع السياسي والفكري قد يضطر إلى الهرب خارج المؤسسة الثقافية (للسلطة) أو يضطر أيضاً في بعض الأحيان لتبرير إجراءاتها وتسويغها إبداعياً. وقد تعرّض المبدعون السوفييت لمثل هذا الموقف واضطرّ بعضهم إلى الهرب والبعض الآخر إلى التسويغ، وقد عبّر عن ذلك غورباتشوف في دعوته إلى البيريسترويكا «إعادة البناء» والغلاسنوست «الشفافية» حين علّق على قضايا الاستبداد بحق المبدعين قائلاً «تكبّد المثقفون ومنهم الحزبيون البلاشفة خسائر كبيرة لم تكن قابلة للتعويض أحياناً، نتيجة خرق الشرعية الاشتراكية والقمع في الثلاثينات…» أقول ذلك بغض النظر عمّا آلت إليه النتائج التي أطاحت بالبلدان الاشتراكية الواحدة بعد الأخرى، ابتداء من بولونيا ومروراً بهنغاريا، ثم بعد انهيار جدار برلين وسقوط النظام في ألمانيا الديمقراطية ولحقته تشيكوسلوفاكيا، وامتدّت عملية الانهيار إلى رومانيا ويوغوسلافيا اللتين فاقت تأثيراتهما الدموية واللاإنسانية جميع الصعد.

لقد اعترف غورباتشوف بشحّ الحريات وانعكاس ذلك على المثقفين، ومرّة أخرى أقول إذا كان الإصلاح أمراً حيوياً ولا غنى عنه لانتشال الاشتراكية من بؤسها وواقعها المزري، فإن ذلك كان يتطلّب ظروفاً موضوعية وذاتية وتدرجاً وتراكماً طويلاً، أما وقد حصل الأمر بهذه السرعة الخارقة فإن الأمر كان بمثابة هزيمة تاريخية لصالح النظام الرأسمالي العالمي يقول غورباتشوف «كانت البريسترويكا ضرورة حيوية ملحّة من أجل تحرير المبدعين والجماهير في القوالب الجامدة والتغّرب… ووسائل التفكير الجديدة ليست المراسم أو الأوامر، بل الحوار بين الآراء والمنافسة بين تنوّع الإبداعات والآراء والمؤسسات الفكرية والثقافية».

إن عملية التغيير تستند أولاً وأخيراً على الإنسان، وهذا بمعرفته وعقله وثقافته، إضافة إلى تجربته الذاتية، يمكنه من تعميق الوعي، ناهيك عن قدرته على ممارسة عمله الإبداعي بحرية وهو ما يعكس جدلية الثقافة والوعي.