ابو القاسم الشابي / خلاصة الشاعرية التونسية (1909 – 1934) بقلم/ رمزي عقراوي

الشابي كان لحنا فريدا لم يتم 

وهبة السماء لأبناء الارض 

وأغنية عاصفة ثائرة ----! 

ستظل الحياة ترددها على مسامع البشرية جيلا بعد جيل !!

 بمناسبة مرور((80)) سنة على رحيل  شاعرالانسانية الفذ ابي القاسم الشابي الذي مرفي سماء الشعر الوجداني الحديث كشهاب قصير العمر ومع ذلك ترك اثرا خالدا على مر العقود والازمان ...!

وحين يعرف هذا المقال القراء بنموذج متميز من الشعراء العباقرة المتفوقين وبشعر -انساني-عربي رقيق يفيض جمالا وسحرا ويبعث في النفوس الجياشة والقلوب الواعية نورا وحبا وايمانا ..!

نعلم حينئذ ان الشابي كان لحنا فريدا لم يتم ، وهبة السماء لابناء الارض واغنية عاصفة ثائرة ستظل الحياة ترددها على مسامع البشرية جيلا بعد جيل!

 

00ولد الشابي بتاريخ 24 شباط (فبراير) عام 1909 في ضاحية (الشابية) التابعه لمنطقة توزر ايام كان الوطن العربي يتعثر بين حاضره الاليم وماضيه القريب... كان والده هو المرحوم الشيخ محمد بن القاسم الشابي سليل اسرة الشابية التي تمخضت للعالم بعد ان انجبت في القرنين العاشر و الحادي عشر الهجري من حملة السيف و القلم من اكتسبت بمساعيهم مجدا سجله التاريخ التونسي من خريجي الازهر ومجازيه وبه درس اولا فاقام بمصر في اوائل هذا القرن سبع سنين ثم تونس بجامع الزيتونة سنتين حصل بعدهما على (التطويع) وهي اجازتها الدراسية بالكلية الزيتونية في ذلك الزمن ثم سمي قاضيا شرعيا لسنة من ولادة بكره ابي القاسم فتصرف في قضاء كثير من البلدان التونسية .

قال الشاعر متحدثا عن ابيه في صفحة الاهداء لوالده ضمن كتابه (الخيال الشعري عند العرب: ( انه افهمني معاني الرحمة والحنان وعلمني ان الحق خير ما في هذا العالم واقدس ما في هذا الوجود) .

00لم ينشأ ابو القاسم الشابي بمسقط رأسه فقد خرج منه في سنته الاولى ولم يكد يعرفه الا قليلا اثناء قدمتين اقام فيهما نحوا من ثلاثة اشهر الاولى عند ختانه في الخامسة من عمره والثاني زائرا وقد استغرقت جولة الاسرة عشرين سنة ضربت في بحرها البلاد التونسية طولا وعرضا متنقلة من قابس الى سليانة فتالة ومن مجاز الباب الى راس الجبل فزغوان وبين هذه المدن من الاميال يقدر بالمئات احيانا وعلاوة على ذلك اختلاف العادات واللهجات والمشاهد الطبيعية فلم تكن واحة قابس كبسائط مجاز الباب يغمرها الحصيد ولاهذه كبساتين راس الجبل او كجبل زغوان يكسوه شجر الصنوبر ولم يكن حر قابس كثلوج تالة ولا حياة الفلاحين بمجاز الباب كحياة صيادي البحر بقابس او راس الجبل ولا طباع اهل الشمال كطبائع اهل الجنوب هذه مراحل ابي القاسم الشابي وشبابه عملت على تضخم تجربته وتدفق شاعريته و ازدهار ريشته بيد ان الشاعر الشابي افاد ما يفيده كل عابر سبيل متيقظ واع اذا ما استقر بارض كان ربيبها لا ابنها الاصيل فاطلقه هذا المصير من حدود البيئة الضيقة واكسبه (تونسية) انسانية الافاق!

00قدم ابو القاسم الشابي الى العاصمة سنة 1920 للدراسة بجامع الزيتونة في الثانية عشرة من عمره وقد تكون سريعا وقال الشعر باكرا حيث له قصيدة (ياحب) مثبتة ضمن ديوانه الوحيد المسمى (اغاني الحياة) نظمه سنة 1923.

كون لنفسه ثقافة عربية بحته واسعة جمعت بين التراث العربي في ازهى صورة وبين روائع الادب الحديث بمصر و العراق وسوريا والمهجر ولم يكن يعرف لغة اجنبية فتمكن بفضل مطالعاته الواسعة من استيعاب ما تنشره المطابع العربية عن ادب الغرب وحضارته وكانت اول نشراته في الصفحة الادبية التي كانت تزينها (النهضة) كل اثنين سنة 1926 وقد ظهر شعره مجموعا في المجلد الاول من كتاب (الادب العربي في القرن الرابع عشر الهجري) تاليف الاستاذ زين العابدين السنوسي (الجزء الاول من 203 حتى صفحة 254) وفي نفس السنة القى بنادي قدماء الصادقيه محاضرة حول الخيال الشعري عند العرب كانت مادة الكتاب الذي نشر بنفس العنوان في السنة التالية .

وانك لتجده وهو يواصل دراسته ويضع شعره في صميم حركات الاصلاح التي كانت تختلج بها النفوس انذاك من بعث حركة( الشبان المسلمين) ودعوته لتجديد الجهاز الثقافي التقليدي ومناصرة لحركة (تحرير المراه) حيث ناصر الشاعر الشابي صديقه المرحوم الطاهر الحداد واضع كتاب(امراتنا بين الشريعة والمجتمع) الذي اثار ردود حادة وسخطا عنيفا ودعوة للتجديد في الادب تحتل المكان الاول من نفسه واخيرا احدث كتابه( الخيال الشعري عند العرب)  الضجة الكبرى واستهدف الشاعر الشابي بسببه لحملة صحفية عنيفة ثبت لها ثبات الرائد المؤمن بما يقول .

نشر ت هذه الاثار في حياة والده فلم ينكر عليه مذهبه ووجد الشاعر الشابي في تسامح ابيه ما يعزز جانبه ويثبت خطاه ! 

وفي هذه الاثناء (سنة 1929) نكب الشاعر بوفاة والده المحبوب ولقد رافقه عليلا من بلدة(زغوان) الى (توزر) مسقط راسه وتجرع غصص مرضه وطفحت الناس بموته وهو في الخمسين من عمره فاضطلع باعباء عائلة كبيرة واختار طريقا وعرا –فانه ضنا بحرية الاديب و الشاعر- لم يلج باب الارتزاق من المناصب الحكومية ورضي بحياة بسيطة على راس اسرته بتوزر حيث تزوج ولعل هذا الذي عناه بعضهم حين قالوا : كنا نرى في نفسه الزكية مثال القناعة في افضل الوانها والطموح على خير وجوهه ). وفي السنة ذاتها اصيب بداء تضخم القلب وهو في الثانية والعشرين من عمره بيد انه رغم نهي طبيبه لم يقلع عن عمله الفكري وواصل انتاجه نثرا وشعرا وقد نشرت له سنة 1933 بمجلة ابولو المصرية قصائد عملت على التعريف به في الاوساط الادبية بالشرق العربي وان ابي القاسم الشابي اوكل اليه صديقه الدكتور احمد زكي ابو شادي اصدار ديوانه (الينبوع) !

لم يكن الشابي المريض يغادر توزر الا في الصيف يقصد المصائف الجبلية كعين دراهم بالشمال التونسي سنة 1932 والمشروحة ببلاد الجزائر سنة 1933 .

وشرع اثناء صيف سنة 1934 في جمع ديوانه (اغاني الحياة) الذي يتكون من 303 صفحة ومن 109 قصائد بنية طبعه بمصر حيث تطوع الاستاذ ابو شادي للاشراف على طبعه فاستنسخه بنفسه بحامة الجريد مستعينا ببعض الادباء لكن باغتته المنية وحالت دون ذلك .فقد انتابه المرض بغاية الشدة وقصد تونس يوم 26 اغسطس

 سنة 1934 وبها توفي في المستشفى الايطالي (القديم ) بحي منفلوري صباح يوم 9 اكتوبر سنة 1934 ثم نقل جثمانه الى بلدة توزر حيث قبره الان !

نشا الشابي وشب في بيئة تسيطر على حياتها ومقدراتها عناصر بغيضة الى كل نفس كريهة لدى كل انسان يشعر بحقيقة نفسه و بحقيقة الحياة الطيبة السعيدة ! والمجتمع التونسي في الفترة القصيرة التي قضاها الشابي في محيطه كان مجتمعا مريضا في جسده وروحه باليا في تفكيره وارائه مستسلما لاوضاعه الفاسدة (استسلام العناصر الغير العاقلة الى مشيئة الايام والليالي (كما يقول جبران)!

وليس من اليسير على شاعر كالشابي وقاد الفكر مشبوب الخيال رقيق الحس والشعور ان يرضى عن هذا المجتمع وان يطمئن لنوع الحياة التي يعيشها او لاصناف الظلم التي يعانيها والالام التي يكابدها .

ومامن احد وعى ذهنه شيئا من مفاهيم الكرامة البشرية والعدل الانساني يستطيع ان يخلد الى الاطمئنان والراحة في مجتمع تضافرت عليه قوى الشر وتجمعت حوله كل عوامل الابادة والافناء في الاستعمار الغربي البغيض يمتص رحيق الحياة من كيانه العام ويستغل امكانياته في شتى الميادين ويستاثر دونه بكل ثرواته وجهوده و يسلبه خيرات البلاد وثمارها ويحول بينه وبين العمل على الاخذ باسباب الحياة الصاعدة وقد عمل الاستعمار جاهدا على تنمية جرائم الفقر والمرض والجهل بما كان يفرضه من ارهاق ويسنه من شرائع ظالمة عاتية ومايقيمه من عراقيل في سبيل العاملين المخلصين من ابناء الوطن!

وليس الاستعمار وحده الذي كان يعمل على محاربة الجهود المخلصة النزيهة الرامية الى تحرير الشعب التونسي من عبوديته وفقره ومن مرضه وجهله بل كانت تساعده وتأتمر بأمره عناصر رجعية خائرة تثير في الشعب روح العصبية الدينية المزيفة حيث لاتجد سلاحا للمقاتلة الا هذا السلاح وتنعدم امامها الوسائل الا هذه الوسيله وهي تعمل جاهدة لتبقى على مكانتها وحظوتها لدى الشعب عن طريق الاحتفاظ بواقعه الجامد المتخلف بما فيه من ضلال وجهل وبما يرزح تحته من اعباء الماضي السيئة وبما يعانيه من عدوان 

وكما يقول الاديب التونسي الاستاذ ابو القاسم محمد كرو في احدى كتبه –كان الشعب التونسي نائما في شقائه مستسلما للتعاسه والبؤس مؤمنا بصدق هؤلاء الموتى من الاحياء والاحياء من الموتى!

فكان يسيرا على هذه الفئه المتحكمة –وحالة الشعب كما لاحظنا- ان ترسل صيحتها في الشعب بان تقاليده مسخت وقدسياته امتهنت ونفائسه المحنطة سحقت واصنامه المعبودة حطمت كان يسيرا عليها ان ترسل صيحة كهذه لتدفع بجموع الشعب الجاهل الضليل الى محاربة القوى الجديدة الواعية المنبثقة من اعماق الشباب الثائر العنيد واذا كانت هذه هي البيئة وهذا هو المجتمع الذي عايشه الشابي فاي شئ يمكن ان تفيض به نفس هذا الفتى الثائر الطموح!

واي شئ يستطيع ان يقدم لشعبه ليتحرر من عبوديته وينطلق من اغلاله ؟!

وكما يقول الاستاذ الهادي العبيدي في مجلة الاسبوع التونسية (لم يكن الشابي من رجال السياسة او الادارة فيسعى لقلب النظام الحاكم او قائداعسكريا فينشأ ثورة دامية يزحزح بها تلك الهياكل المتجبرة على عروشها كي يفسح للشعب طريق التحرر و الحياة ،حياة انسانية كاملة وانما كان شاعرا والشاعر لايملك سوى قلبه)!

ووجدانه وعواطفه فذوب قلبه اناشيد وحرق وجدانه بخورا في معبد الحياة وجند عواطفه لمحاربة الظلم والخنوع فثار على كل وثن من اوثان الادب واغلاله وخلص بنفسه من طرائقه القديمة الممقوتة واساليبه الرثة الميته فبعث بطرق فتية رائعة واساليب حية ممتعه قوية في روحها وموضوعها خلابة في فنها وجمالها ساحرة في تعابيرها وصورها!

وقد اوضح الشابي افكاره وارائه بجراة نادرة وحماس شديد في كتابه الخالد (الخيال الشعري عند العرب) وان اول دعوة صريحة ثائرة نقرأها في هذا الكتاب هي قوله (لقد اصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة اما من يعبد امسه ونسى غده فهو من ابناء الموت وانفار القبور الساخرة) فهذه الصراحة المنبثقة من اعماق نفسه بكل حرارة وصدق وهذا الحماس اللاهب والاخلاص القوي المتدفق من كل سطر من سطور الكتاب وكل كلمة فيه لم تكن-مجتمعه او منفرده- لترضي اؤلئك الخادرين والسائرين الذين الفوا السكون واستسلموا للنوم الابدي وارتاحت قلوبهم الى ضرب من الجمود والعبودية وهضمت معدتهم طعام الذل الموروث ورضيت نفوسهم بارتداء ملابس فصلت لغيرهم وباخرى بليت لكثرة ما تناوبتها الاجيال تلك الاجيال التي عاشت كما يعيشون عالة على غيرها لاتشعر بوجودها الا في احضان الماضي ولاتستمد غذائها الا من نبش القبوروجثث الموتى فهي لاتشعر بانها كائن حي ولاتحس بتيارات الحياة ولا تتصل بهذا العالم كما تتصل به الاحجار او الرمال ولقد رمي الشابي من اجل ذلك بنكران الماضي ومحاربة امجاده وبالعقوق لابائه واجداده وبالثورة على المقاييس الشائعة والطرائق الزائفه وبالسخرية من التراث (المقدس) الجليل وتشويه محاسنه ومسخ جماله !

وصحيح ان الشابي كان ثائرا على السخافة المستحكمة والعقول المحنطة والتقاليد الجامدة والمقاييس المتحجرة!

وصحيح انه كان مجددا جريئا وبناءا قديرا يملك سلاح التجديد ويبني لنفسه ولامته حياة جديدة ومجدا طريفا ويعيش في حاضره ولكن ليس بصحيح ان الشابي كان في لحظة من حياته ساخرا من اجداده و من تراث هؤلاء الاجداد !

وفي هذه القطعه يخاطب بها الشابي نفسه الشاعرة فيقول:

 

انت كالزهرة الجميلة في الغاب             ولكن مابين       شوك ودود

انت تحت السماء روح جميل صاغه الله من    عبير الورود

وبنوا الارض كالقرود وما اضيع عطر الورود بين القرود

انت من ريشة الاله فلا تلقي بفن السما     لجهل العبيد

انت لم تخلقي ليقربك الناس ولكن لتعبدي          من بعيد!

 

وهكذا كان الشابي كشموع تحترق لتضئ الى السائرين في شعاب الارض ومسالك الحياة طريق المجد وسبيل النور فاذاب روحه اناشيد والهب قلبه اغاني ليقود قومه في موكب حافل بالانغام والالحان مكلل بالازهار والرياحين.

ثم كفكف الامه ودموعه وجمع احاسيسه وقواه ونضد باقة من ازاهير الحياة واوراد الوجود وقدمها اليهم علّ شذاها سيفتح حواسهم المغلقة والوانها تستهوي ابصارهم الكليلة ولكنهم –ويا للعار- كانوا اشد شرا منهم في المرة الاولى فادرك انه مجهول في قومه غريب بينهم.

 

يا صميم الحياة كم انا في الدنيا             غريب اشقى بغربة نفسي

بين قوم لايفهمون اناشيد فؤادي ولامعاني بؤسي

في وجود مكبل بقيود تائه في ظلام شك ونحس

فاحتضني وضمني لك بالماضي فهذا الوجود علة يأسي!

 

ثم عصف وثار فدمدم عليهم برعده واعصاره فكاد يعصف بهم في قصيدته (النبي المجهول) :

 

ايها الشعب ليتني كنت حطابا                          فاهوي على الجذوع بفأسي

ليتني كنت كالسيول اذا سالت                             تهد القبور رمسا برمس

ليت لي قوة الاعاصير يا شعبي                             فالقي اليك ثورة نفسي

ليت لي قوة الاعاصير لكن         انت حي يقضي الحياة برمسى

انت روح غبية تكره النور         وتقضي الدهور في ليل ملس

انت لاتدرك الحقائق ان طافت                           حواليك دون مس وجس

في صباح الحياة ضمخت اكوابي                   واترعتها بخمرة نفسي

ثم قدمتها اليك فاهرقت رحيقي ودست ياشعب كأسي

فتألمت ثم اسكت الامي وكفكفت من شعوري وحسي

ثم نضدت من ازاهير قلبي                     باقة لم يمسها أي انس

ثم قدمتها اليك فمزقت     ورودي ودستها أي دوس

ثم البستني من الحزن ثوبا         وبشوك الصخور توجت رأسي

 

ولكن هذه العاصفة الهوجاء هدأت في نفس الشابي وثاب بعدها الى شئ من الرضى والاطمئنان والى نوع جديد من الحياة اعتزم ان ياخذ ايامه الباقية عليه فاختار ان يحيا بعيدا عن قومة بعيدا عن بلاده :

 

ليت ان اعيش في هذه الدنيا بعيدا بوحدتي وانفرادي

اصرف العمر في الجبال والغا             بات بين الصنوبر المياد

ليس لي من شواغل العيش ما يصرف نفسي عن استماع فؤادي

عيشة للجمال والفن ابغيها بعيدا عن امتي وبلادي

لااعني نفسي باحزان شعبي فهو يحيى في ظلمة الاباد

حسب نفسي من الاسى مالديها         من طريف مستحدث وتلاد

 

وفي الغابات المحببة الى نفسه وبين سفوح جبالها المكلله بالصنوبر والصخور وتحت ظلال الاشجار الوارفة فيها طلع عليه صباحه الجديد فاذا جراحه تسكت واشجانه تسكن والامه تنتهي واذا به ينطلق ليعانق فجره الضحوك وليذوب في عمق الجبال السرمدية ثم رايناه يمشي الى شاطئ الابدية في سكون وصمت حالم وغفوة نشوى حيث ركب هناك زورقه المسحور ونشر قلاعه البيضاء ورفع يده مودعا –عالم الانام والبغضاء- ثم انساب في خضم الابدية وكانه حلم ليلة ساحرة او رؤيا جمال سرمدي اخاذ!

 

من وراء الظلام وهدير المياه

قد دعاني الصباح               وربيع الحياه

ياله من دعاء هز قلبي صداه

لم يعد لي بقاء فوق هذي البقاع

الوداع الوداع ياجبال الهموم

يا ضباب الاسى يافجاج الجحيم

قد جرى زورقي في الخضم العظيم

ونشرت القلاع فالوداع الوداع!!

 

لم تكن الام الشابي وجراحه الا الام شعب كامل وجراح امة باسرها حملتها نفس بشرية واحدة وانطوى عليها قلبها الانساني الكبير ففاضت انفاسها الساحرة من اوتار قلبه وتصاعدت اهاتها المرة من اعماق نفسه.

والالم ينبوع العبقرية وفيض النبوغ وما من شاعر فنان صهره الالم وعذبته الاوجاع ونال من الحرمان في اية ناحية من نواحي الحياة الا تفجر قلبه عن ابدع الصور واروع الالحان وعزف للانسانية اعذب الاغاني وامرها!

والالم وليد الاحساس القوي المرهف والشعور العميق باسرار الحياة وعيوب البيئة والمجتمع حسب قول الاديب التونسي ابو القاسم محمد كرو.

والشاعر الفنان يخلق لنفسه (في احلامه وامانيه) بيئة مثاليه سامية ومثلا عاليه في الحياة والوانا ساحرة من الاجواء والاضواء ولكن سرعان ما تتحطم اماله وامانيه وتنهار مثله واحلامه حين تصادف حقائق البيئة المرة ويعانده من عنف واقع يعيش فيه قوم ويعيشون فيه عن رضى واطمئنان ولكن اي واقع حزين هذا الذي يعيش فيه قومه! واي مجتمع منكودهذا الذي عاش شاعرنا بين اهله وبنيه؟ انه مجتمع خائر منهوك في جسده غبي تافه في روحه حقير ساذج في مثله واحلامه باهت في الوانه ممل في انغامه!

واي شعب تجمعت في حياته هذه الخطايا لايكون الا شعبا متخلفا  لايفقه شيئا من معاني الحياة واسرارها وجمال الوجود وفتنة وعفة الحب وطهره ونبل الحق وجلاله وشرف الكفاح وروعة ومجد الشباب وثورته وشوق الشاعر واحلامه.

و الشابي طبعا كان ذلك الشاعر وشعبه كان هذا الشعب في تلك الفترة القصيرة التي عاشها شاعرنا بين ابنائه!

ولقد احس الشابي بعذابه وجراحه منذ اللحظة الاولى التي راى فيها الحياة على صورتها الحقيقية ومنذ اللحظة الاولى التي احس فيها بالام شعبه وتعاسة ومدى مايرزح تحته هذا الشعب من اعباء الظلم واصناف الطغيان ومن ظلمات الماضي وسيئاته فتأوه لذلك وتألم ثم جمع قواه واندفع بايمان الشباب وحيوية الفتوة وعزيمة الجبار الى الصفوف الاولى مناضلا لخير بلاده وتقدمها ومكافحا في سبيل تحريرها واستعادة مجدها واحلالها المحل الذي يجدر بها ان تناله بين امم الارض وشعوبها فخاطب شعبه بصنوف من القول لم تالفها اسماعه وعرض عليه اسلوبا من الحياة لم تتعود طباعه واخلاقه ولايتفق مع ركوده واستسلامه فقوبلت اقواله واساليبه بالسخرية والاعراض من قومه فزاد ذلك من الامه وجراحه واحترق في اتونه من السخط والثورة على هذا الغباء المستحكم والجهاله المتاصله و الجمود الاخرس فاستمع اليه منددا بذلك قوله:

 

انت يا كاهن الظلام حياة تعبد الموت انت روح شقي

كافر بالحياة والنور لايصغي الى الكون قلبه الحجري

انت دنيا يظللها افق الماضي وليل الكابة الابدي

والشقي الشقي في الارض شعب يومه ميت وماضيه حي

 

ويشاء القدر العاتي ان يزيد الام هذا القلب الانساني الكبير الاما جديدة كل يوم فوق مايعانيه شعبه من الام الاستعمار والام الركود والاستسلام الام ناء بها جسمه النحيل وقلبه المعذب المكلوم واي الام اشد على مثل هذا القلب من فقد الاعزاء والاقربين! كانت اول هذه الالام فقد شاعرنا لوالده اعز مخلوق عنده ثم اصابته بداء لادواء له وبهذا تجمعت على هذا الانسان الوحيد والقلب الانساني الاليم صنوف من الالم وضروب من العذاب وسهام من كل صوب وهنا تتجلى مظاهر العبقرية وقوة الايمان وبطولة النفس الانسانية الخالدة فلم يحن هامته للظلم الاسود ولم يجرفه تيار الركود ولم يستسلم حتى للقدر العنيد والقضاء المحتوم فهذا الظلم ينازله قائلا :

 

الا ايها الظلم المصعّر خده رويدك ان الدهر يبني ويهدم

اغرّك ان الشعب مغض على قذى لك الويل من يوم به الشر قشعم

الا ان احلام البلاد دفينة تجمجم في اعماقها ما تجمجم

ولكن سياتي بعد لأي نشورها وينبثق اليوم الذي يترنم

هو الحق يبقى ساكنا فاذا طغى         باعماقه السخط العصوف يدمدم

اذا صعق الجبار تحت قيوده سيعلم اوجاع الحياة ويفهم

 

وهذه امته يهيب بابنائها ان انهضوا وسيروا في طريق الحياة فمن نام لم تنتظره الحياة فيقول:

 

خلقت طليقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى في سماه

تغرد كالطير اين اندفعت وتشدوا بما شاء وحي الاله

وتمرح بين ورود الصباح وتنعم بالنور انىّ تراه

كذا صاغك الله ياابن الوجود والقتك في الكون هذي الحياه

فمالك ترضى بذل القيود وتحني لمن كبلوك الجباه

وتقنع بالعيش بين الكهوف فاين النشيد ؟واين الاياه؟

اتخشى نشيد السماء الجميل؟ اترهب نور السما في فضاه؟

الا انهض وسر في سبيل الحياة               فمن نام لم تنتظره الحياه

ولاتخشى مما وراء القلاع فما ثم الا الضحى في صباه

الى النور فالنور عذب جميل الى النور فالنور ظل الاله

 

وهذا القدر يصارعه في عنف واعتداد وكانه لايقل عنه شيئا في القوة والجبروت فارهف السمع لهذه الانغام الصاخبة والقذائف الشعرية الكاسحة في قصيدته الخالدة (نشيد الجبار) او (هكذا غنى بروميثيوس) :

 

ساعيش رغم الداء والاعداء كالنسر فوق القمة الشماء

واقول للقدر الذي لاينثني عن حرب امالي بكل بلاء

لا يطفئ اللهب المؤجج في دمي       موج الاسى وعواصف الارزاء

فاهدم فؤادي ما استطعت فانه سيكون مثل الصخرة الصماء

لايعرف الشكوى الذليلة والبكا           وضراعة الاطفال والضعفاء

ويعيش كالجبار يرنو دائما للفجر للفجر الجميل النائي

ساظل امشي رغم ذلك عازفا قيثارتي مترنما بغنائي

امشي بروح حالم متوهج في ظلمة الالام والادواء

النور في قلبي وبين جوانحي فعلام اخشى السير في الظلماء

اني انا الناي الذي لاتنتهي انغامه مادام في الاحياء

وانا الخضم الرحب ليس تزيده             الا حياة سطوة الانواء

اما اذا خمدت حياتي وانقضى عمري واخرست المنية نائي

وخبا لهيب الكون في قلبي الذي             قد عاش مثل الشعلة الحمراء

فانا السعيد بانني متحول عن عالم الاثام والبغضاء

لاذوب في فجر الجمال السرمدي وارتوي من منهل الاضواء

 

حقا اننا لم نعرف لابي القاسم الشابي ذلته في الشكوى ولا دموعا في الملمات ولاخنع لمخلوق في الوجود وها انتم ترونه رغم الامه الجمة وجراحه العميقة قد ظل (كالجبار يرنودائما للفجر الجميل) فجر الانطلاق من اغلال المادة وقيود الحياة وشرور الورى واثام المجتمع فهو السعيد بتحوله من عالم الاثام والبغضاء ليعيش في فجر الجمال السرمدي ويرتوي من منهل الاضواء.

وانه لسعيد اليوم في عالمه المطلق وكونه الرحيب مع حبيبه الفجر وصباحه الجديد فلتهنأ يا ابا القاسم باملك الرحب الجسور و حبيبك الفجر الجميل وصباحك المشرق الجديد ولتخلد هناك مع الخالدين الكبار ولتسعد مع الصديقين الاخيار والابرار !