المصالحة مع البعثيين، لم لا!

 

من المهم لنا نحن العراقيين أن نعترف بأننا شعب متخلف عن ركب الشعوب الحية، وأننا فشلنا طيلة 10 سنوات بعد إسقاط نظام صدام البوليسي في إعادة "دولتنا" إلى مصاف الدول التي تحيط بالعراق ـ على أقل التقديرات ـ وهو اعتراف ضروري لبدء أي حديث آخر يعالج "المسألة العراقية" المشابهة كثيرا "للقضية الفلسطينية" من حيث غياب الدولة وحضور الشعور بالحاجة إليها، فقد بات العراق كدولة مؤسساتية حلما للعراقيين الوطنيين قد يطول وقت تحققه.

علينا ألا ننسى أن ما حققه العراقيون طيلة السنوات العشرين التي سبقت عام 2003 كان عددا كبيرا من المعارك الخاسرة التي كان أول ضحاياها "الإحساس بالانتماء للوطن" إذ حول نظام البعث جهود العراقيين تجاه وطنهم أرضا وشعبا إلى جيب "القائد الضرورة" فصار المعيار الوطني بفعل "إذا قال صدام قال العراق" أن تثبت إخلاصك "للسيد الرئيس" على حساب كل القيم الوطنية والشعبية. القيم التي خولت أعضاء "المنظمات الحزبية" تشريع وتنفيذ حملات إعدام المواطنين على أعمدة الكهرباء، لأن أحدهم سب "القائد المناضل" هي نفسها القيم التي تحت شعار "وطن تشيده الجماجم والدمُ" جعلت مفهوم "الوطن ـ القطر" ضحية للوطن "القومي ـ العربي" وصار على العراقي في الحرب العراقية الإيرانية أن يقتل بسهولة دفاعا عن "البوابة الشرقية".

واليوم وبعد مرور 10 سنوات على إقرار "قانون اجتثاث البعث" لم يستطع العراقيون تشكيل أي مؤسسة فكرية أو بحثية تعنى بتحديد معنى "الاجتثاث" وآلياته، وقواعده واستثناءاته. ولذلك لم يكن من الصعب تحول التسمية إلى "قانون المساءلة والعدالة" إذ لم يكن لكلا "القانونين" عيون ترى طريقها، وأصابع تتلمس دربها وتكتب منهجها الفكري الكفيل بتحقيق المساءلة وبسط العدالة بعد عقود طويلة من تغييب الحس الوطني لمساءلة "القادة" وتحقيق العدالة بين مواطني الوطن الواحد.

أما مقارنة "المسألة العراقية" بالحالة الألمانية فتكاد تكون ظالمة لطرفي المقارنة، فألمانيا لم يمنعها حزبها النازي من الاستمرار بعلمانيتها، بينما أصيب حزب البعث العراقي "بالحالة الإيمانية" التي دفعت بكتابة "الله أكبر" على علم العراق، تأكيدا ساذجا للجمع بين "الوحدة" على أساس القومية العربية، و"الوحدة" على أساس الايمان بإله واحد. حتى كأن "الرسالة الخالدة" التي يحملها حزب البعث هي "الرسالة" الإسلامية التي حملها محمد بن عبد الله.

لم يهتم العراقيون ـ بعد 2003 ـ بمواطنيهم البعثيين، ولعل الشعور الشعبي الطاغي بين من كان مؤيدا لفكر البعث ومن كان مناوئا له ظل مبنيا على روحية الانتقام والعداء، فيما فشل من وصلوا بعد انتخابات 2005 في إدارة أبسط موارد العراق، ناهيك عن إدارة موارده البشرية، إذ لا تزال الرشوة، والفساد الإداري هما السمة الغالبة في شغل أغلب الوظائف في دولة هي أحوج من غيرها إلى وضع المواطن الإداري المناسب في الموقع المناسب.

ثم جاء مفهوم "المصالحة الوطنية" ليزيد من إرباك الساحة العراقية الجديدة المبنية أساسا على المصلحة الفئوية والشخصية والمحسوبيات حتى داخل "الحزب الواحد" مع إقرارنا بعدم وجود حزب وطني عراقي يقوم على أساس المواطنة حتى هذه الساعة.

الأزمة في أصلها فكرية ثقافية اجتماعية، فالمجتمع العراقي المحطم لم يعد قادرا على معرفة ما يريد، ابتداء من عجز وزارة التربية عن التعاون مع اليونسكو على تحديث المناهج الدراسية، وليس انتهاء بعجز الجامعات العراقية عن توظيف دراساتها العليا للبحث في المشاكل العراقية في محاولات حلها.

وما دامت ثقافة البعث حية، ليس لنا في العراق بد من المصالحة مع البعثيين، ولكن أين هم البعثيون، أين هي مؤسساتهم وواجهاتهم الوطنية، وأين هم قادتهم نحو المصالحة، هل هناك حقا بعثيون يريدون أن يصالحوا، ويصالحوا من، وعلى ماذا؟