الطائر الجريح ينزف حتى الموت

 

” لم يعد هناك بالنسبةِ شيءٌ له ذكرى..ماتت جميع الذكريات وذابت مع جريان الدموع المتدفقة بلا توقف. حاولتُ أن أكون الى جانب الطائر الجريح كي أنتشلهُ من تلك البركةٍ ألآسنة التي سحقت جناحيهِ بلا رحمة. فشلتُ في كل شيء. كلما حاولت ألأقتراب بسلاحي الفتاك المصنوع في أرقى مصانع العالم المتخصصة في رسمِ خرائط الحب والتضحية والكرم والفناء لأنتشل الطائر الجريح تواجهني نيران من جهاتٍ لاأعرف من اين وكيف تُطلق رصاصاتها المدمرة لتحيل كل محاولاتي الى هباءأً منثورا ليس له قيمة في تاريخ العلاقات ألأنسانية الحقيقية. حاولت بكل الطرق أن اصل الى فرحةٍ تمسح عن قلبي كل أدران السنوات المرة التي سبحتُ فيها رغماً عني هناك خلف الحدود. أيقنتُ بلا أدنى شك أنني مخلوقٌ ليس له فائدة في هذا العالم مهما قرأتُ ومهما كتبتُ من كتاباتٍ لاتتعدى إلا أن تكون سطوراً وهمية لايطلع عليها أحد ولاتشكل أي مفهموم له قيمة حقيقية في واقع الحياة اليومي…كلها سراب وخيال لاتغني من جوعٍ ولاتطفأ العطش. اليوم شاهدتُ الطائر الجريح ينهض من رقدتهِ الطويلة ليحاول الطيران من جديد ويواصل رحلة الحياة اليومية على شاكلة الحياة التي كان قد إعتاد عليها قبل الوقوع في بحيرة الموت والهلاك. طار هنا وهناك لكن طيرانه لم يكن ذلك التحليق الذي كنتُ أحلم به منذ أن جاء الى هذه الحياة. طيران ناقص ليس له قيمة في تظرِ مخلوق – على شاكلتي- لم يعد جريحاً ينزف ساعات الليل والنهار وحيدا . هنا ومن أجل الحقيقة التاريخية التي ستبقى مدونة في مخطوطات ألأحداث على مر العصور -ينبغي ألأعتراف وبصدق- أنكِ قدمتِ له من العلاج ما لم أستطع أن أقدمه – على الرغم من إمتلاكي سلاحاً لايمكن أن تمتليكيه مهما حاولتِ وبذلتِ من جهود مضنيه- فسلاحي لايشترى ولايباع. سلاحي الذي كنتُ أُراهنُ عليه سلاحاً لايعترف بألأشياء المادية وأنواع الهدايا الفاخرة وقاعات ألأحتفال – ذات ألأجواء المخملية- فسلاحي هو نبضات القلب التي تعزف أنغاماً لايستطع مخلوقٌ على وجه ألأرض أن يضاهي لحناً من ألحانها. تبين لي – رغم هذه السنوات الطويلة أن تلك النبضات لم تكن إلا وهما وسراباً وتراباً لايصلح لنمو أي نبتةٍ مضرة أو مفيدة. أعلن عجزي أمام جميع ألأسلحة التي أطلقتيها على تلك النبضات التي لم يعد لها قيمة تذكر إلأ حركات ميكانيكية تحافظ على جسدٍ منهار قد يسقط في أي لحظة. طار الطائر الجريح وحل مكانة طائرٌ آخر عجوزأً هرما لايقوى على القيام بأي حركة ينظر الى جناحيهِ المهشمتين تنزف دماً وحنيناً الى سرابٍ رسمه في قلبة منذ ثلاين عاماً. أنتِ لاتفهمين ما يقوله الطائر الكهل الجريح مهما حاول أن يوصل اليكِ مفهومة الغامض في قلبه لأنك لم تجربي قداسة ألأبناء في قلوبِ ألاباء. أنتِ تفكرين باشياء لاتشكل بالنسبة للطائر الجريح إلا تفاهاتٍ ومناظرات ومفاخرات – على شاكلة بطاقات الدعوة المخصصة للوزراء – كل هذه ألأشياء لاتساوي دمعة واحدة يذرفها وذرفها الطائر العجوز في لحظةِ صمت وحيداً في ظلام الليل. حاولتُ بكل ألأسلحة التي أمتلكها – كأبٍ ..أدركتُ فيما بعد أنه لايشكل إلا رقماً وهمياً على بطاقةٍ تموينية لاتحمل حتى إسمه- أدركتُ أنني لاأستطيع أن أفعل أي شيء لأجعل البنات يرقصن في باحةِ الدار على غرار ألأعراس المتبعة في تقاليدنا وأعرافنا ألأجتماعية…ولكن..ولكن… كان الطوفان أقوى من أجنحتي المتكسرة…كانت العواصف التي وجهتيها نحو عيناي المرهقتان من شدة العويل والبكاء في الصباح والمساء لاتقوى حتى على النظر الى جهةِ العواصف القادمة من كل الجهات..سقطتُ على ألأرضِ أتلوى من ألمٍ شديد كلما حاولتُ النهوض من جديد كي أواصل القتال بكل عبارت ألأمل والتضرع وحب ألآخرين. كان سلاحك أقوى واشد فتكاً وكأنك تنتمين الى كل محاكم العالم وفضاءات المرافعات على مر العصور. هنيئاً لكِ على هذا ألأنتصار المدوي ..على جسدٍ لم يعرف في حياتة إلا الطعنات والجراح والجوع والعطش لكل شيءٍ ينتمي الى عالم ألأحياء. سترقصين هذا اليوم – باذن الله – مع فئات ينتمون الى عالمٍ لم أحلم يوماً أن اصل الى طرفٍ من أطرافهم- فنحنُ الفقراء لنا عالمنا الخاص وخيالاتنا التي لاتتوقف على مدار السنوات- إرقصي طرباً وفرحاً ..ولكن في كلِ دورةٍ من دوران الرقص لاتنسي أنكِ ترقصين على جسدِ طائر كهلٍ عجوز جريح في حفرةٍ آسنه ينتظر ساعات الموت ..يحتضر بصمتٍ في زاويةٍ من زوايا البيت بلا صديقٍ بلا رفيقٍ ..يتخيل أن جميع بنات الحي يرقصن معه يشاركنه فرحة طائرة الجريح الذي طار بلا وداع بلا قبلات ..وستبقى جراحة تنزف حتى الموت. سأجلس وحيداً مذموماً مدحوراً في المكان الذي جلست فيه – تورة- قبل رحيلها الى مستقبلٍ آخر وأتخيل مكانها وبنات الحي يرقصن بلا توقف وأطنان الحلويات تُنثر هنا وهناك كأننا نعيش في عالم لايفهمه ألأغنياء على شاكلتكِ. سأنتقل من زاويةٍ الى أخرى في البيت أستذكر الطائر حينما كان صغيراً ونحنُ نركض سوية في كل زوايا البيت فرحين مسرورين بأنتقالنا الى هذا البيت الذي إشترته لي والدتي بدماء أخي الذي مزقته سنوات حرب الثمانينات..كان مكأفأة من تلك الحكومة الدكتاتورية لكل شابٍ يسقط على أرض الوطنِ هناك في الصحاري والجبال وعند المياه المتدفقة. وطائري – الطفل الصغير – إستحوذ على أكبرِ جزءٍ منه- وأمي رحمها الله – وهبتني إياه لأنني كنتُ طائرها الصغير المفضل..وها أنا أهبُ أكبر قسمٌ فيه لطائري المفضل- الذي لم يمتثل لتوسلاتي وآهاتي أن نرقص في فرحهِ في هذا المكان الذي وهبتني إياه أمي تخليداً لدماء أخي الذي كان سبباً للحصول عليه. حسناً ستثبت لك ألأيام كم أنا أقوى من كلِ أموالك وعلاقاتك التي تملأ الحارات والمحافظات وأمتدت الى كل دول العالم. أرقصي وأفرحي هذا اليوم ودعيني أكمل ذرف دموعي وحيداً في الغرفة التي ماتت فيها أمي وأنا في زنزانةٍ خلف الحدود.