موت العقل الأكاديمي

 

تنفق الولايات المتحدة سنوياً على البحث العلمي 168 مليار دولار، بنسبة ثلث إنفاق العالم، ثمَّ اليابان 130 مليار دولار بنسبة الربع، ثم ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، كندا. نحن أيضاً ننفق ملايين الدولارات، لكن لإفساد المؤسسة الأكاديمية بتدخل الساسة واستثمار أموالهم في بناء جامعات خاصة يتداخل عملها مع الحكومية، وفق قاعدة خصخصة العام وتعميم الخاص، ويتطلب ذلك زيادة عدد الأساتذة، واستقطاب ذوي المعدلات المنخفضة من أبناء الأثرياء والمسؤولين، وإذا كان أفلاطون يعتقد الشر كلَّ الشر في الكثرة، فنحن نعتقد الخير في الكثرة ولهذا نتكاثر في خزن الأموال وتجميدها، ونتطاول في البنيان ونتفنن في القصور والمساجد.

 

سياسياً: بعد تحصيص منصب رئيس الجامعة وعمداء الكليات، بدأ استثمار الفوز: الحزب الحاكم يضخّ أكبر عدد ممكن من أعضائه ومؤيديهِ إلى مقاعد الدراسات العليا. لو فرضنا أنَّ ليس في الموصل مقاعد دراسات ، وفي بقية المحافظات كذلك. اجتماعياً: يتزوج الأستاذ الأكاديمي من أستاذة أكاديمية ويسكنون بيتاً أكاديمياً، وينجبون لنا عدداً من الأساتذة الأكاديميين بالوراثة، هكذا تتكون لدينا طبقة نبلاء بقبَّعات علمية زائفة!

 

الدولة المتخلفة متخلِّفة علميَّا، متخلِّفة سياسياً واقتصادياً واجتماعيا وثقافياً. بمؤسسة أكاديمية أشبه بمصنع بلاستيك ينصب اهتمامهم على المسائل التقنيَّة والروتينية، وهكذا (يُنظر إلى المعرفة على أنَّها نِتاج لعملية تقنية وليس نِتاجاً للعمل الفكري الإنساني، لهذا السبب كان بوسع المُنظِّر ما بعد الحداثي جان فرانسوا ليوتار أنْ يقول بالموت الوشيك للأستاذ الجامعي) .

 

إنَّ البرج العاجي أو الصندوق الزجاجي أو الهالة الزَّائفة المحيطة بالأستاذ الأكاديمي لا تتناسب مع منتجه الفكري ودوره الاجتماعي، وعدم التناسب هذا، ما هو إلا نتيجة تراكمات أحد أنواع تمجيد السُّطوح والمظاهر الزَّائفة والابتذال الفكري، وإنَّ ضعف الانتقادات الموجَّهة للعقل الأكاديمي تعد بمثابة اعتراف بوجود خلل ثقافي بدأ زمن الحصار 1991 حين توقف العقل الأكاديمي عن كونهِ جزءاً من العقل الثقافي الاجتماعي، وذلك باعتقاده أنَّ اللقب العلمي يمنحه حصانة ضدَّ أيِّ انتقاد من خارج المؤسسة الأكاديمية.

 

ليس بعض النقد الأكاديمي بأفضل من نقد الدردشة، وخاصةً حين يظل الأستاذ الأكاديمي رهين صورةٍ واحدة لنصف قرن، صورةٍ فرضها عليه الأستاذ الذي أشرف عليه عند كتابة رسالة الماجستير غالباً ما تكون لأسباب سياسية، يستأسر طالب العلم داخلها فيعيدها في أطروحة الدكتوراه، الصورة النمطية تمنعه إبداع صورٍ أخرى، مثلاً لو كتبَ في الماجستير تحت عنوان: صورة العراقي في الرواية العربية، أو العكس. سيكتب صورة العربي في الرواية العراقية، وحسن كجل، كجل حسن، ويا للجهد الكبير مجرَّد تعداد بِبْلِيُوغْرَافيا، إعادة فَهْرَسَة عناوين قائِمَة بمقدور أيٍّ كان أنْ يجمعها ويعلِّق عليها هنا جملة وهناك جملتين. كحاطب ليلٍ يمشي في الظلام على غير هدى ودونما استبصار، ولو أنَّ رواية عربية ركيكة ظهرت فيها شخصية روائية تنطبق عليها مواصفات البحث البوليسي أو الإحصائي، سيتوقف عندها الباحث العريق ويمنحها من الصفات ما لا تستحق وكأنَّ الشخصية زوجته أو صديقتها التي يحبها، وهذا البحث المعتمد على النتائج المسبقة يمثِّل الجزء الأكبر من البحث الأكاديمي لأنَّ المشرف يقوم بتحديد عنوان البحث وهدفه قبل بدء البحث، وأية نتائج وإنْ كانت عظيمة وحقيقية وجميلة سوف تهمل ما دامت خارج الطَّوق والأسورة الأكاديمية الباحثة عن نتيجة موجودة مسبقاً قبل بدء عملية البحث! والكارثة الكبرى حين يصير الأستاذ الأكاديمي عضواً في لجنة تحكيم جائزة رواية، سيبحث جاهداً عن ضالته وصديقة زوجته، وإذا لم يجد الباحث ضالته لجأ إلى التأويل والمطِّ والتحريف أحياناً، وبهذا لم يبقَ من الفضل الكبير إلا بعزوِ كلّ عنوانٍ إلى كاتبه! بالتأكيد سوف يقتبس النَّاقد نصوصاً مقتطعة بعناية فائقة من بارت وأساطين النقد الروائي، لكن هل هذا حظُّ النقد من الفكر؟ الجمع وإعادة الفهرسة؟ كيف يمكن أنْ نُسمِّي هذا نقداً أدبيَّاً؟

 

عندما يتحول العقل الأكاديمي الذي يُعوَّل عليه في تزويد الدولة والمجتمع بالمعرفة التي يحتاجها، إلى تكنوقراط هزيل لا همَّ له إلا إصدار المزيد من الكتب التي ينتظرها تلاميذه ومريدوه من حملة الدروع الكيشوتية ليبدؤوا حملة إعلانات مدفوعة الثمن بطريقة شللية مشبوهة!